محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يعني جل ثناؤه بذلك : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ومن ذكر من الرسل رُسُلًا فنصب به الرسل على القطع من أسماء الأنبياء الذين ذكر أسماءهم . مُبَشِّرِينَ يقول : أرسلتهم رسلا إلى خلقي وعبادي مبشرين بثوابي من أطاعني واتبع أمري وصدق رسلي ، وَمُنْذِرِينَ عقابي من عصاني وخالف أمري وكذب رسلي . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يقول : أرسلت رسلي إلى عبادي مبشرين ومنذرين ، لئلا يحتج من كفر بي وعبد الأنداد من دوني ، أو ضل عن سبيلي بأن يقول إن أردت عقابه : لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى طه : فقطع حجة كل مبطل ألحد في توحيده وخالف أمره بجميع معاني الحجج القاطعة عذره ، إعذارا منه بذلك إليهم ، لتكون لله الحجة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسلا . وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً يقول : ولم يزل الله ذا عزة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على كفره به ومعصيته إياه بعد تثبيته حجته عليه برسله وأدلته ، حكيما في تدبيره فيهم ما دبره . القول في تأويل قوله تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً يعني بذلك جل ثناؤه : إن يكفر بالذي أوحينا إليك يا محمد اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابا من السماء ، وقالوا لك : ما أنزل الله على بشر من شيء فكذبوك ، فقد كذبوا ما الأمر ، كما قالوا : لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزله من كتابه ووحيه ، أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خيرته من خلقه وصفيه من عباده ، ويشهد لك بذلك ملائكته ، فلا يحزنك تكذيب من كذبك ، وخلاف من خالفك . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً يقول : وحسبك بالله شاهدا على صدقك دون ما سواه من خلقه ، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك لم يضرك تكذيب من كذبك . وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباعه ، وأخبرهم أنهم يعلمون حقيقة نبوته ، فجحدوا نبوته وأنكروا معرفته . ذكر الخبر بذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود ، فقال لهم : " إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله " فقالوا : ما نعلم ذلك . فأنزل الله : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من اليهود ، ثم ذكر نحوه . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً شهود والله غير متهمة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني بذلك جل ثناؤه : إن الذين جحدوا يا محمد نبوتك بعد علمهم بها من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم ، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه ، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن الدين الذي بعثك الله به إلى خلقه وهو الإسلام . وكان صدهم عنه : قيلهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك : ما نجد صفة محمد في كتابنا ، وادعاءهم أنهم عهد إليهم أن النبوة لا تكون إلا في ولد هارون ومن ذرية داود ، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانوا يثبطون الناس بها عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق به وبما جاء به من عند الله . وقوله : قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً يعني : قد جاروا عن قصد الطريق جورا شديدا ، وزالوا عن المحجة . وإنما يعني جل ثناؤه بجورهم عن المحجة ، وضلالهم عنها : إخطاءهم دين الله الذي ارتضاه لعباده وابتعث به